1. الفضاء الزماني
والمكاني زمن النبوءة الكابوسية
تبدأ الرواية بذكاء سردي يكسر أفق التوقعات؛ فهي لا تلتزم بالواقعية
التقليدية، بل تقفز بنا إلى عام 2030. هذا الاختيار الزمني ليس
عشوائياً، بل هو محاولة لتقديم "نبوءة" حول ما يمكن أن تؤول إليه
المجتمعات العربية.
- المكان هو
"المدينة البيضاء"، وهي استعارة شفافة لمدينة "سيدي بوسعيد"
التونسية. لكن شقرون لا يكتفي بها، بل يمد خيوط السرد لتشمل القاهرة والإسكندرية، ليخلق فضاءً
جغرافياً يمتد من المغرب العربي إلى مشرقه، مشيراً إلى وحدة المصير والأزمات التي
تعصف بالمنطقة.
2. حبكة الرواية الجثة
التي تتحدث والروح التي ترى
تنطلق الأحداث من مشهد افتتاحي غريب وصادم: قوة أمنية حكومية تقوم بنبش
قبر مختار الفاطمي، الباحث في التاريخ الإسلامي الذي قُتل قبل عشرين
عاماً. الهدف هو تشريح الجثة لكشف لغز وفاته، لكن المفاجأة تكمن في أن "روح"
مختار أو "ذاكرته" لا تزال حية، تحلق فوق المدينة وترصد تحولاتها.
- من خلال هذه "الحيلة السردية"، نتحول من قارئ لقصة بوليسية تبحث
عن قاتل، إلى رحلة فلسفية ترصد خراب الأوطان. مختار الفاطمي، بطل الرواية، يمثل
المثقف العربي المهووس بالتاريخ، والذي يجد نفسه ضحية لصراعات الحاضر التي لا ترحم.
3. الدولة الفاطمية رمزية
المحو والإقصاء
اختيار نزار شقرون لاسم "الفاطمي" وتخصص البطل في تاريخ الدولة
الفاطمية يحمل دلالات عميقة. فالدولة الفاطمية في الوعي التاريخي العربي تعرضت
لعمليات محو ممنهجة وإقصاء مذهبي وسياسي.
·
توازي التاريخ والحاضر: يرى البطل أن ما حدث للفاطمين قديماً من طمس لآثارهم، هو ذاته
ما يحدث في الحاضر لكل من يختلف مع السلطة أو الأيديولوجيا المهيمنة.
·
البحث عن الهوية: مختار يبحث في المخطوطات عن أسباب اندثار أجداده، ليكتشف أن "فيروس
الاستبداد" قديم ومتأصل في التربة العربية.
4. الديستوبيا والواقع فيروس
الخنازير كأداة سياسية
في عام 2030 المتخيل، تعيش المدينة حالة من الرعب بسبب وباء "إنفلونزا
الخنازير" وهجوم كاسح للخنازير على المدينة. هنا، يستخدم شقرون الرمزية
ببراعة:
·
العدو الافتراضي: تصبح الخنازير هي "العدو" الذي تستخدمه السلطة
لتبرير القمع، القتل بدم بارد، وتجييش الناس.
·
تحلل المجتمع: تتحول الشوارع والمستشفيات إلى ساحات حرب، وتفوح رائحة العفن
والموت، مما يعكس الحالة الأخلاقية والسياسية المتردية.
5. نقد الأيديولوجيا بين
مطرقة "الإخوان" وسندان "الزعيم"
تعد الرواية من أجرأ الأعمال التي تناولت فترة "الربيع العربي" وما
تلاها. من خلال تقنية "الفلاش باك"، يعود بنا الراوي إلى عام 2012-2013
في مصر وتونس:
·
الاستبداد الديني: يرصد مختار أثناء بعثته في القاهرة صعود جماعة الإخوان
المسلمين، وكيف حاولوا فرض رؤية أحادية وإقصاء الآخرين. يُقتل مختار هناك "على
الهوية" الفكرية، مما يبرز خطر التشدد.
·
الاستبداد الوطني/العسكري: في زمن 2030، يظهر "الزعيم" الذي يقتل باسم الوطن
ومحاربة الخونة.
·
النتيجة: الرواية تخلص إلى أن
الاستبداد واحد، مهما اختلفت شعاراته (دينية أو وطنية)؛ فكلاهما يؤدي إلى الخراب وإلغاء
الإنسان.
6. البنية السردية واللغة
تميز نزار شقرون بلغة أكاديمية رصينة وأنيقة في آن واحد، تتناسب مع شخصية
البطل الباحث. الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي "نص موازي" للتاريخ.
·
تعدد الأصوات: رغم أن الراوي واحد (روح مختار)، إلا أننا نسمع أصوات التاريخ
من خلال المخطوطات، وأصوات الواقع من خلال الشخصيات التي يقابلها في القاهرة وتونس.
·
الواقعية السحرية: دمج العناصر الغرائبية (روح هائمة، جثة محنطة، خنازير تغزو
المدن) مع وقائع سياسية وتاريخية حقيقية، مما منح العمل عمقاً أدبياً نادراً.
7. لماذا يجب أن تقرأ «أيام
الفاطمي المقتول»؟
إذا كنت تبحث عن رواية تجمع بين المتعة السردية والعمق الفكري، فإن هذا
العمل يقدم لك:
1.
قراءة مغايرة للربيع العربي: بعيداً عن الانحيازات المباشرة، يقدم شقرون تحليلاً بنيوياً
للأزمات.
2.
إسقاطات تاريخية مذهلة: كيف يفسر الماضي كوارث الحاضر؟
3.
تجربة أدبية فريدة: في استخدام الفانتازيا لنقد الواقع (الديستوبيا العربية).
8. مكانة نزار شقرون في
الأدب العربي
نزار شقرون، بصفته أكاديمياً وشاعراً وروائياً، استطاع في هذه الرواية أن
يثبت أن الأدب التونسي لا يزال في طليعة التجديد السردي. «أيام الفاطمي المقتول» ليست
مجرد إضافة للمكتبة العربية، بل هي صرخة تحذير من "مستقبل" قد يكون أسوأ
من الماضي إذا لم نفهم آليات الاستبداد.
الخاتمة دروس من المدينة البيضاء
تنتهي رحلة الروح الهائمة لمختار الفاطمي، لكن الأسئلة التي طرحتها
الرواية تبقى معلقة. هل نحن محكومون بإعادة إنتاج دكتاتورياتنا؟ هل التاريخ مجرد
دائرة مغلقة من الدم والمحو؟
رواية
«أيام الفاطمي المقتول» هي مرآة كاشفة، تدعونا
للتأمل في حاضرنا قبل أن نصل إلى عام 2030 ونجد أنفسنا محاصرين بين الخنازير
والزعماء الموتورين. إنها عمل يستحق الاحتفاء، وجدارة وصوله للقائمة الطويلة
للبوكر هي شهادة على قوة السرد التونسي وقدرته على ملامسة الوجع العربي المشترك.